السيد محمد تقي المدرسي

181

فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)

أئمة اللغة أو خبراء فيها قد أثبتوها وقامت عليها الشهرة القطعيّة منهم ، بل نُقِل إجماعهم على ذلك . صحيح إنّ البعض نفى ذلك إلا أن النفي لا يقاوم الإثبات ، لأنّ النافي لايدّعي العلم بعدم الوضع وإنما يرى أنه لم يتوفر دليل قاطع عليه ، فَحُجّة المُثبِت مقدمة على النافي عادة . ثانياً : مرة أخرى نتساءل : كيف يستطيع الإنسان غير العارف بلغةٍ مّا أن يتعرف على معاني الكلمات عند أهلها ؟ أليس بالنظر إلى إستعمالهم لتلك الكلمات في المعاني بطريقة مستمرة وترداد الاستعمال عندهم حتى يحصل على ثقة بأنَّ هذه الكلمة تدل على ذلك المعنى ، حتى ولو افترضنا أنَّ الكلمة إستُخدِمت في البدء مع القرائن مثل السياق والإشارة إلّا أنّه مع الوقت يورث - بالإستعمال المكرّر - الثقة بوضع الكلمة في ذلك المعنى المستخدم فيه . ونحن نعرف يقيناً بأن الشارع قد استخدم على لسان النبي صلى الله عليه وآله والأئمة الأطهار كثيراً من الألفاظ المعروفة للعبادات في معانيها الشرعية باستمرار ، فيحصل عندنا الاطمئنان والثقة بأنّها قد وضعت لتلك الألفاظ ، أما سائر الكلمات التي لم تتداولها ألسنة الوحي فإننا نلحقها بالأولى فإن دليلنا في إلحاقه هو الاتفاق عند الفقهاء بعدم الفصل بين مختلف الكلمات مناقشة الدليل الأوّل إنَّ هذا الدليل تام في بعض الكلمات فقط وفي بعض الظروف فقط . أما أولًا : فإنّ البحث عن الحقيقة الشرعية في كلمات الشرع واسع جداً ويشمل كلمات كثيرة في الأحكام وغيرها ولا يمكن إختصارها ببضع كلمات كما سبق ، إذاً دعنا نعترف بالحقيقة الشرعية فيها فقط ، أمّا في غيرها نبقى على التوقف والشك في إثبات الحقيقة الشرعية ، وهذا ما ذهب إليه القائلون بالتفصيل بين الكلمات الكثيرة التداول وغيرها . ثانياً : إذا قلنا - إفتراضاً - إنّه قد ثبت وضع الكلمات للمعاني خلال فترة من الوقت بعد نزول الوحي حين إستخدمها النبي صلى الله عليه وآله والمسلمون في معانيها الجديدة مع القرائن حتى أصبحت تتداعى المعاني الشرعية بما يُسمى بالوضع التعيُّني ( أي بالإستعمال وكثرة التداول ) ، إذا افترضنا ذلك يبقى لدينا الشك في تاريخ تحوّل الكلمة من وضعها